يرجى الإنتظار...

تعود تسمية هذه الأسرة على اسم مؤسس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود بن محمد بن مقرن. وكان أحد أجدادها، مانع المريدي، ساكناً مع عشيرته في شرق الجزيرة العربية. وفي سنة 1446م أتى من هناك إلى قريبه ابن درع الذي كان يسكن في منطقة الرياض الحالّية. فأعطاه ابن درع المكان الذي أصبح يسمّى الدرعية. وظلت أسرته في ذلك المكان تقوى أحياناً وتضعف أحياناً أخرى شأنها شأن كثير من الإمارات النجدية في تلك الفترة حتى أصبح محمد بن سعود أميراً للدرعيّة سنة 1726م. لكن القوة الفعلية للإمارة بدأت حينما اتفق هذا الأمير مع المصلح الديني الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1744م على نشر الدعوة التي نادى بها ذلك المصلح.

وقد جرى الدارسون على تقسيم تاريخ آل سعود إلى ثلاثة أدوار. الدولة السعودية الأولى وتبدأ بتاريخ الاتفاق المذكور وتنتهي باستسلام الإمام عبد الله بن سعود لإبراهيم باشا سنة 1818م. والدولة السعودية الثانية وتبدأ بنجاح الإمام تركي بن عبد الله آل سعود في الاستيلاء على الرياض وإجلاء القوات التركية منها سنة 1824م وتنتهي بجلاء الإمام عبد الرحمن بن فيصل سنة 1891م. والدولة السعودية الثالثة وتبدأ باستيلاء الملك عبد العزيز على الرياض سنة 1902م.

ولقد تلا اتفاق الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب انضمام بعض البلدان النجدية على الدولة الجديدة طائعة مختارة. لكن بلداناً أخرى رفضت الانضمام إلى هذه الدولة وحاربتها. وكان أشهر الأمراء المعارضين لها في نجد دهام بن دوّاس أمير الرياض الذي ظلّ يحاربها حوالي ثمانية وعشرين عاماً. لكن الأمير محمد بن سعود لم يتوَف سنة 1765م إلا وقد شمل نفوذ دولة الدرعية عدة أقاليم من نجد. وقد خلفه في الحكم ابنه عبد العزيز الذي كان من أعظم الحكام الذين ظهروا في جزيرة العرب عبر التاريخ من حيث المهارة العسكرية والقدرة الإدارية والعدل والتديّن. وقد اتسع نفوذ الدولة في عهده اتساعاً عظيماً، فشمل مناطق نجد والأحساء وعسير وأجزاء من الحجاز وساحل الخليج العربي. وتمكنت جيوشه من صد حملات ولاة العراق العثمانيين ضدها، كما قامت بهجمات متعددة على الأراضي العراقية. وفي سنة 1803م دخلت جيوشه مكة المكرمة دون إراقة دماء. لكن في نفس هذه السنة قام أحد المأجورين العراقيين باغتياله في مسجد الدرعية. وخلفه في الحكم ابنه سعود الذي واصل جهود أبيه في توسيع نفوذ دولة الدرعية ونشر المبادئ التي قامت تلك الدول على أساسها. وقد نجح في مسعاه حتى أصبح لا يخرج عن نفوذ دولته من جزيرة العرب كلّها إلا مناطق معينة من اليمن وعمان وحضرموت والكويت. وكانت بعض القبائل في كل من العراق والشام تدفع الزكاة إليه.

وحين استولى الإمام سعود بن عبد العزيز على الحجاز كلها زاد حماس السلاطين العثمانيين ضدّ دولته وصمّموا على محاربتها بكل ما يستطيعون فأمرا حاكم مصر، محمد علي باشا، بتجهيز حملة قوية لاستعادة الحرمين من آل سعود والقضاء على دولتهم. ووصلت تلك الحملة إلى الحجاز سنة 1811م، فتكبدّت خسائر فادحة في بداية الأمر. لكنّها نجحت بعد ذلك في إدخال المدن الحجازية الكبيرة دون مشقة لتواطؤ شريف مكة معها ضد آل سعود. وبينما كانت قوّات محمد علي باشا تواصل حروبها في منطقة عسير وتتلقى الهزيمة إثر الهزيمة هناك توفي الإمام سعود بن عبد العزيز سنة 1814م. وخسر السعوديون بوفاته قائداً من أمهر القادة العسكريين الذين أنتجتّهم الجزيرة العربية. وخلفه في الحكم ابنه عبد الله الذي لم يكن له من السمعة الحربية مثل ما كان لأبيه سعود. وقد توصّل إلى صُلح مع طوسون بن محمد علي. لكن محمد علي نفسه لم يقبل بالصلح، وأرسل حملة أخرى بقيادة ابنه إبراهيم. ورغم ما أبداه أنصار الإمام عبد الله بن سعود من صمود وبسالة فقد نجح إبراهيم في تقدّمه عبر نجد. وأخيراً وصل بقوّاته إلى الدرعية ذاتها وحاصرها أكثر من ستة شهور دارت خلالها معارك عنيفة بين الجانبين. وكانت الإمدادات تصل إلى إبراهيم يوماً بعد يوم حتى اضطّر الإمام عبد الله بن سعود في نهاية الأمر إلى الاستسلام له سنة 1818م. وأخذ ذلك الإمام إلى مصر، ثم بعث به من هناك إلى عاصمة الدولة العثمانية حيث حُوكِم محاكمة صورية وأُعدِم في نفس تلك السنة.

ولم يفِ إبراهيم باشا بما تعهّد به للإمام عبد الله بن سعود، بل قام بتعذيب وقتل عدد من علماء الدين وزعماء البلاد، كما قام بتهديم بلدة الدرعية. وكان من الإجراءات التي اتّخذها أن بعث كل من وقعت عليه يده من آل سعود وآل الشيخ إلى مصر. ثم غادر نجداً عائداً إلى بلاده سنة 1819م. وبانتهاء الدولة السعودية ورحيل إبراهيم باشا بقواته عن نجد دبّت الفوضى فيها وضَعُفَ الأمن بدرجة كبيرة. فاستغل محمد بن مشاري بن معمّر الوضع، وبدأ يعيد بناء الدرعية ليقيم فيها دولة تحت زعامته. وأخذ بعض أهالي تلك المدينة يعودون إليها. وكان ممّن قَدِمَ إليها تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وأفراد من أسرته الذين هربوا من الدرعية عند استسلام الإمام عبد الله بن سعود لإبراهيم باشا. لكن إمارة ابن معمّر لم تعمّر طويلاً. ذلك أن مشاري بن سعود قد هرب من حُرّاسِه في طريقه إلى مصر وعاد على نجد، فجمع له أنصاراً وفاجأ ابن معمّر في الدرعية واستولى على مقاليد الأمور فيها. وعين تركي بن عبد الله أميراً على الرياض. ثم تمكن ابن معمّر من مفاجأة مشاري بن سعود، وقبض عليه وبعثه إلى الحامية العسكرية الموجودة في عنيزة حيث توفي هناك. لكن تركي بن عبد الله لم يقف مكتوف اليدين، بل جمع أنصاره وهاجم ابن معمّر وقبض عليه وأعدمه. وقد دارت حروب بين تركي وبين قوات محمد علي كان النصر في نهايتها حليفاً له سنة 1824م. وبعد أقلّ من خمس سنوات كانت نجد والأحساء وأجزاء من ساحل الخليج العربي القريبة من عمان تحت نفوذه.

وفي عام 1825م تمكّن مشاري بن عبد الرحمن آل سعود من الهرب من مصر والعودة إلى نجد، حيث أكرمه خاله الإمام تركي غاية الإكرام. وبعد عامين من هذا التاريخ قَدِمَ من مصر إلى نجد فيصل بن تركي الذي أصبح الساعد الأيمن لأبيه. لكن مشاري بن عبد الرحمن كان يطمع في الحكم فخرج على خاله وحاول أن يحصل على تأييد أهل نجد له ففشل، وهرب إلى الحجاز. ثم طلب العفو من الإمام تركي فعفا عنه وأبقاه لديه مكرّماً في الرياض. لكن شهوة الحكم لم تفارق نفس مشاري. وحين كان فيصل بن تركي على رأس قواته يعالج مشكلة في المنطقة الشرقية من البلاد دبّر مشاري مؤامرة أدت إلى اغتيال الإمام تركي بن عبد الله سنة 1834م. واستولى مشاري على مقاليد الأمور في الرياض.

وما أن علم فيصل بن تركي باغتيال أبيه حتى عاد بقواته من المنطقة الشرقية بسرعة وحاصر مشاري بن عبد الرحمن. وبعد أربعين يوماً فقط من مقتل الإمام تركي قُتِلَ مشاري، وأصبح فيصل بن تركي حاكماً للبلاد. لكن لم يمُرّ عامان على تولّيه الحكم حتى قَدِمَت حملة عسكرية جديدة من مصر على رأسها خالد بن سعود، أخو آخر أئمة الدولة السعودية الأولى عبد الله بن سعود، وإسماعيل آغا. وقد اضطر فيصل أمام تقدّم هذه الحملة الناجح أن يغادر مدينة الرياض. لكن النّكسات التي حدثت لخالد بن سعود في جنوب نجد رجّحت كفّة الإمام فيصل حتى ضيَّق الخناق على خالد ومن معه في الرياض. وأمام هذا الوضع أرسل محمد علي حملة جديدة بقيادة خورشيد باشا لتدعيم موقف أنصاره في المنطقة. وكانت نتيجة الحروب التي دارت بين الطرفين في غير صالح الإمام فيصل بن تركي الذي اضطر إلى الاستسلام لخورشيد سنة 1839م. وأخذ فيصل مرّة أخرى إلى مصر. ثم انسحب خورشيد مع أكثر قوّاته من نجد. وبانسحابه أصبح موقف خالد بن سعود ضعيفاً. فثار ضده عبد الله بن ثنيّان آل سعود، وانتصر عليه سنة 1843م. وهرب خالد بن سعود إلى الحجاز دون رجعة.

وفي عام 1843م تمكّن فيصل بن تركي من المجيء إلى نجد، واخذ يسعى للوصول إلى حكم المنطقة. وقد تعاطف معه كثير من النجدين، فتقدم بقواته وحاصر عبد الله بن ثنيّان في الرياض حتى استسلم له. وظل الإمام فيصل بن تركي حاكماً للبلاد دون منازع حتى وفاته سنة 1865م.

وبعد وفاة الإمام فيصل بن تركي دبّ الخلاف بين أبنائه وتنازعوا على السُلطة. فثار سعود بن فيصل على أخيه عبد الله، ودارت بينهما حروب كانت سجالاً بين الطرفين. وفي سنة 1871م تمكن سعود من إجبار عبد الله على مغادرة الرياض واستولى على هذه المدينة. لكن سعوداً توفي سنة 1874م، فخلفه أخوه عبد الرحمن في الحكم حتى سنة 1876م. ثم تنازل عبد الرحمن لأخيه عبد الله الذي ظلّ إماماً للبلاد حتى سنة 1887م. وفي هذه السنة تمكّن محمد بن رشيد من الاستيلاء على الرياض، وأصبحت أكثر المناطق النجدية تحت نفوذه. وقد أُخذَ عبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن إلى حائل حيث بقِيَا هناك مدة سنتين. ثم عادا من هناك إلى الرياض، وتوفي عبد الله بعد أيام قليلة من وصولهما إليها. وأصبح عبد الرحمن بن فيصل إماماً للبلاد وإن كانت القوّة الفعلية في نجد كلها لمحمد بن رشيد. وفي عام 1890م دارت معركة عنيفة في المليداء بين محمد بن رشيد وأهل القصيم. وكان النصر فيها حليف ابن رشيد. وبذلك انهارت معنوية الإمام عبد الرحمن بن فيصل وترك الرياض. وبعد محاولات عسكرية غير ناجحة قرر أن يجلو بأسرته من نجد سنة 1891م. وأصبح محمد بن رشيد حاكم نجد غير المنازَع.

ولقد استقر المقام للأسرة السعودية أخيراً في الكويت. أمّا محمد بن رشيد فقد توفي سنة 1897م وخلفه في الحكم ابن أخيه عبد العزيز بن متعب بن رشيد. ولم يمُرّ على حُكمِهِ أربعة أعوام حتى استطاع سميُّه عبد العزيز بن عبد ارحمن آل سعود الاستيلاء على الرياض مبتدئاً بذلك خطواته نحو حكم مملكته المترامية الأطراف.

قائمة المحتويات